توجيهات شرعية وآداب إنسانية وفوائد لأهل الصيد والقنص

كتبها / عبدالله بن فهد الواكد

كتبتها قبل سنوات إستجابة لطلب أحد الدعاة وقد كانت محاضرة

( الموضوع فيه فوائد كثيرة )

الحمد لله الذي خلق البر والبحر ، والجبل والنهر ، والثمر والزهر ، ملأ البر بالنبات والحيوان ، والخيرات والأملاك ، وملأ البحر باللؤلؤ والمرجان ، والحيتان والأسماك ، وملأ السماء بالنجوم والأفلاك ،
الأنهار والبحار، والأشجار والثمار ، والليل والنهار ، نعم لا تعد ولا تحصى ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)
وأصلي وأسلم على أشرف من خلق ، وأكرم من رزق ، محمد بن عبدالله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الطيبين الأطهار ، وسلم تسليما كثيرا ،
أما بعد فإن من نعم الله على الناس ، أن أحل لهم ما ينفعهم ، وحرم عليهم ما يضرهم ، قال تعالى : ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) وقد يكون هذا التحريم ، لمصلحة دنيوية ، أو أخروية ، أو لهما معا كقوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )
أيها الأحبة : من المنافع التي أباحها الشرع ، الصيد ، ولكنه جاء مضبوطا بضوابط شرعية ، بعضها يعود لمصلحة الصائد وبعضها لمصلحة الصيد نفسه ، وبعضها للإبتلاء والإمتحان ، ليعلم الله المصلح من المفسد ، وليتحقق في ذلك قول الله عز وجل : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) ،
ولقد ابتلى الله بني إسرائيل بالصيد ، فبين ذلك في قوله تعالى : ( وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) فحرم عليهم تبارك وتعالى ، الصيد في يوم السبت ، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا ، أي ظاهرة ، فسدوا عليها يوم السبت ، وأخذوها يوم الأحد ، وكان السد ذريعة للأصطياد ، فمسخهم الله قردة وخنازير ، وذكر الله لنا ذلك ، في معنى التحذير عن ذلك ، وحذرنا من أن نفعل فعلهم ، ونصنع صنيعهم ، ولقد ابتلى الله المؤمنين ، في الصيد حالة الإحرام وفي الحرم ، فقال سبحانه وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فقوله تعالى : ليبلونكم الله ، أي ليختبركم ،فالإبتلاء هو الإختبار ، وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة ، وشائعا عندهم ، فابتلاهم الله فيه ، مع الإحرام والحرم ، كما ابتلى بني اسرائيل في ألا يعتدوا في السبت ، وقيل إنها نزلت عام الحديبية ، يوم أن أحرم بعض المسلمين ، مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يحرم بعضهم ، فكان الصيد يعرض لهم كثيرا ، حتى أنه تناله أيديهم ورماحهم ، وهذا لا شك أنه من الإبتلاء والإمتحان ، ليتبين ، من يقف عند حدود الله ، ممن يتعداها ، فكيف يليق بنا ونحن أولوا ألباب ، وأرباب عقول ، بل ونحن المعنيون بالعبادة ، المقصودون بأوامر الشريعة ، المخلوقون لأجل ذلك ، قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، كيف يليق بنا أن نتعدى حدود الله ، في الوقت الذي نجد فيه السباع والكواسر ، تقف عند حدود الله ، فقد قال القرطبي رحمه الله في تفسيره : ( ولقد جعل فيها سبحانه ( أي في مكة المكرمة ) ، من العلامة العظيمة على توحيده ، ما شوهد من أمر الصيد فيها ، فيجتمع فيها الكلب والصيد ، فلا يهيج الكلب على الصيد ، ولا ينفرالصيد منه ، حتى إذا خرجا من الحرم ، عدا الكلب عليه ، وعاد إلى النفور والهرب ) إنتهى كلامه رحمه الله ، فسبحان الله ، ولا إله إلا الله ،
أما الصيد ، فقد جعل الله على من قتل شيئا منه متعمدا ، حال الإحرام أو في الحرم ، جعل عليه فدية أو كفارة ، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) ، ومعنى فجزاء مثل ما قتل من النعم ، يحكم به ذوا عدل منكم ، هديا بالغ الكعبة ، أي من بهيمة الأنعام ، فمثلا النعامة عنها بدنة ، والضبي شاة ، وحمار الوحش ، بقرة ، ويحكم بذلك إثنان ذوا عدل ،
فعن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صيد البر لكم حلال ، ما لم تصيدوه أو يصد لكم ، قال أبو عيسى الترمذي ، هذا أحسن حديث في الباب ,
وعن كعب رضي الله عنه قال : أقبلت في أناس محرمين ، فأصبنا لحم حمار وحش ، فسألني الناس عن أكله ، فأفتيتهم بأكله وهم محرمون ، فقدمنا على أمير المؤمنين عمربن الخطاب رضي الله عنه ، فأخبروه أني أفتيتهم بأكل حمار الوحش وهم محرمون ، فقال عمر رضي الله عنه ، قد أمرته عليكم حتى ترجعوا
و عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : مررت بالربذة ، فسألني أهلها عن المحرم ، يأكل ما صاده الحلال ، فأفتيتهم أن يأكلوه ، فلقيت عمر بن الخطاب ، فذكرت له ذلك ، قال فبم أفتيتهم ؟ قال أفتيتهم أن يأكلوا ، قال لو أفتيتهم بغير ذلك لخالفتك ،
وعن أبي الشعثاء سنان قال : قلت لابن عمر : كيف ترى في قوم حرام ، لقوا قوما حلالا ومعهم لحم صيد ، فإما باعوهم ، وإما أطعموهم ، فقال : حلال

أيها الأحبة في الله :
والصيد صيدان :
صيد البر وصيد البحر ،
فأما صيد البحر :
فكله حلال ، صيده وأكله ، سواء للحلال أو المحرم ، وميتته حلال ، قال تعالى : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ،
وجاء في حديث مالك والنسائي ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنا نركب البحر ، ومعنا القليل من الماء ، فإن نتوضأ به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)
واختلف الفقهاء في صفة الصيد ، الذي عنى الله تعالى بالتحريم ، في قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ، فقال بعضهم ، صيد البر، كل ما كان يعيش في البر والبحر ، وإنما صيد البحر ، ما كان يعيش في الماء دون البر ويأوي إليه , ذكر من قال ذلك ، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ، قال : ما كان يعيش في البر والبحر ، لا يصيده وما كان حياته في الماء فذاك , قال الحجاج عن عطاء ، ما كان يعيش في البر ، فأصابه المحرم ، فعليه جزاؤه ، نحو السلحفاة والسرطان والضفادع ، وقال كل شيء عاش في البر والبحر، فأصابه المحرم فعليه الكفارة.
وأما صيد البر:
فمنه ما هو محرم لذاته : مثل أن يكون ذا ناب أو ظفر ، أي من أكلة اللحوم فهي التي تحتاج للناب والظفر ، أو أن يكون من الحشرات وما كان على شاكلتها ، أو ما حرم الله مثل الخنزير ،
ومنه ما هو محرم لوقته : مثل حال الإحرام ، ومثلما حرم الله الصيد يوم السبت على بني إسرائيل ، فإذا زال الوقت حل الصيد
ومنه ما هو محرم لمكانه : مثل صيد الحرم ، فإذا خرج الصيد عن حدود الحرم جاز صيده ،
ومنه ما هو محرم لسبب موته :
وهذا فيه أنواع كثيرة :
منها الميتة وهي التي تموت بمرض أو نحوه ولم تذكى .
ومنها ما أهل لغير الله به كالذبح لغير الله للجن والشياطين وهذا شرك أكبروالعياذ بالله ،
ومنها المنخنقة وهي التي تموت خنقا وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدمي أو اتفق لها ذلك في حبل أو بين عودين أو نحوه وذكر قتادة أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها فإذا ماتت أكلوها وذكر نحوه ابن عباس
ومنها الموقوذة وهي التي ترمى بحجر أو عصى حتى تموت دون تذكية , عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي يقال منه وقذه يقذه وقذا وهو وقيذ والوقذ شدة الضرب وفلان وقيذ أي مثخن ضربا قال قتادة كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه وقال الضحاك كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتم حتى يقتلوها فيأكلوها
ومنها المقتولة بالثقل وليس بالحد ففي صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيد فقال إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله وفي رواية فإنه وقيذ قال أبو عمر اختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق والحجر والمعراض فمن ذهب إلى أنه وقيذ إلا ما أدرك ذكاته وهو القول الراجح
ومنها المتردية وهي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه ، من الردى وهو الهلاك وسواء تردت بنفسها أو رداها غيرها وإذا أصاب السهم الصيد فتردى من جبل إلى الأرض حرم أيضا لأنه ربما مات بالصدمة والتردي لا بالسهم ومنه الحديث وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك أخرجه مسلم وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما ماتت بالوجع ونحوه دون سبب يعرف فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة بينها الشرع وبقيت هذه كلها ميتة وهذا كله من المحكم المتفق عليه
ومنها النطيحة : وهي الشاة تنطحها أخرى فتموت قبل أن تذكى وتأول قوم النطيحة بمعنى الناطحة لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان
ومنها ما أكل السبع وهي كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوها فهذه كلها سباع ,

ومن تمام هذا الباب قوله عليه السلام إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته رواه مسلم عن شداد بن أوس قال ثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان فذكر الحديث ، قال علماؤنا : إحسان الذبح في البهائم الرفق بها فلايصرعها بعنف ولا يجرها من موضع إلى آخر وإحداد الآلة وإحضار نية الإباحة والقربة وتوجيهها إلى القبلة والإجهاز وقطع الودجين والحلقوم وإراحتها وتركها إلى أن تبرد والإعتراف لله بالمنة ، والشكر له على النعمة ، بأنه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا ، وأباح لنا ما لو شاء لحرمه علينا ،

وأما ما يتعلق بكلاب وجوارح وطيور الصيد المعلمة ،

فقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير كالصقر والبازي وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل وهو الأكل من الجوارح أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير وسميت جوارح لإكتسابها كقوله تعالى : (أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) أي إكتسبوا السيئات ، وكان لعدي بن حاتم كلاب خمسة قد سماها بأسماء أعلام وكان أسماء أكلبه سلهب وغلاب والمختلس والمتناعس قال السهيلي وخامس أشك قال فيه أخطب أو قال فيه وثاب ,
وقد أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم فينشلي إذا أشلي ويجيب إذا دعي وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده وأثر فيه بجرح أو تنييب وصاد به مسلما وذكر اسم الله حين إرساله أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف
قوله تعالى مكلبين معنى مكلبين أصحاب الكلاب وهو كالمؤدب صاحب التأديب ، وليس في مكلبين دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة لأنه بمنزلة قوله مؤمنين وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة
واعلم أنه لابد للصائد أن يقصد وقت الإرسال التذكية والإباحة وليس العبث واللهو وهذا لا يختلف فيه لقوله عليه السلام إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل وهذا يقتضي النية والتسمية
ثم لابد أن يكون انبعاث الكلب بإرسال من يد الصائد بحيث يكون زمامه بيده فيخلي عنه ويغريه عليه فينبعث أو يكون الجارح ساكنا مع رؤيته الصيد فلا يتحرك له إلا بالإغراء من الصائد فهذا بمنزلة مازمامه بيده فأطلقه مغريا له على أحد القولين فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه بدون إرسال ولا إغراء فلا يجوز صيده ولا يحل أكله هذا قول الجمهور ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأنه إنما صاد لنفسه وأمسك عليها ولا صنع للصائد فيه فلا ينسب إرساله إليه لأنه لا يصدق عليه قوله عليه السلام إذا أرسلت كلبك المعلم وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي يؤكل صيده طالما أنه أخرجه للصيد
ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم وهما أن يأتمر إذا أمر وينزجر إذا زجر وقد شرط الشافعي وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه ولم يشترطه مالك في المشهور عنه وقال الشافعي المعلم هو الذي إذا أشلاه صاحبه انشلى وإذا دعاه إلى الرجوع رجع إليه ويمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه فإذا فعل هذا مرارا وقال أهل العرف وأهل الصنف أنه صار معلما ، فهو المعلم،

وإن وجد الصائد مع كلبه كلبا آخر فهو محمول على أنه مرسل من صائد آخر وإنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه ولا يختلف في هذا لقوله عليه الصلاة والسلام وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل وفي رواية فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره فأما لو أرسله صائد آخر فاشترك الكلبان فيه فإنه للصائدين يكونان شريكين فيه فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ثم جاء الآخر فهو للأول الذي أنفذ مقاتله
واختلف العلماء في الصيد بكلب أو طير اليهودي والنصراني والمجوسي إذا كان معلما فكرهه بعضهم وأجاز ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة إذا كان الصائد مسلما قالوا وذلك مثل إستعمال شفرة اليهودي والنصراني والمجوسي وأما إن كان الصائد من أهل الكتاب فجمهور الأمة على الجواز وأما السكران فلو اصطاد أو ذبح لم يؤكل صيده ولا ذبيحته لأن الذكاة تحتاج إلى قصده والسكران لا قصد له

ودلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد وثبت ذلك في صحيح السنة وكذلك كلاب الحرث والماشية فقد روى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان

أيها الأحبة في الله :
رحلة الصيد رحلة شيقة ممتعة ، تذهب عن النفس أوضار المدنية وصخبها ، وتبعد الإنسان عن رتابة ودءابة العصرنة ، وتعيد للصدر إنشراحه وبهجته ، وخصوصا إذا كانت هذه الرحلة بصحبة رفقاء صالحين ، يجمعون فيها بين الدين والدنيا ، ويوظفون معطيات الدنيا للدين ، فيجعلون من هذه الرحلة وقتا للتأمل والتفكر ، وتدبر مقاصد الشريعة الغراء ، فيما أباحته وما حرمته ، إن تأملوا السماء ونجومها ، والأرض وتخومها ، وتأملوا الجبال والرمال ، والسهال والتلال ، والأودية والشعاب ، والآكام والضراب ،
علموا أن كل ما في الصحراء ، يدعوا الى أن يجد الإنسان الصادق مع الله ، ما يربطه بخالقه ، فبالتأمل تقوى الصلة ، وتعظم الوشيجة ، ويحس الإنسان بأن الصحراء وما فيها خلقت لأجله ، ذللت له ، ومهدت من أجل راحته ، فهي بساطا يفترشه ، وسريرا يستلقي عليه ، وخباء يأوي إليه ، والسماء قبة يستظلها ، كل هذه النعم لأجل من خلقت ؟ أوليست من أجلك أيها الأخ المؤمن ، بلى والله ، قال تعالى : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُم) ، وقال تعالى : )هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا) ،
أيها الأخوة في الله :
رحلات القنص والصيد ، من أجمل الرحلات ، إذا حرص أهلها على نهج الشريعة الغراء ، فتأدبوا بآدابها ، وتخلقوا بأخلاقها ، وتتبعوا نصوص السفر والإقامة ، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ومن أهم ما أرشدنا إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم ، أن يجتنب الرجل السفر لوحده سواء كان السفر للصيد أو غيره ، وإن كانوا ثلاثة فأكثر ، أن يأمروا أحدهم عليهم حتى تكون الرحلة منظمة ، وتنضوي تحت لواء واحد ، وامتثالا للتوجيهات النبوية في ذلك ، ومن هديه عليه السلام أنه يسافر يوم الخميس ، ونهيه عند العودة من السفر أن يطرق الرجل أهله ليلا ، أي يأتي إليهم فجأة دون أن يعلموا بقدومه ، ومما يجدر التنبيه إليه الحرص على أداء الصلوات المكتوبة جماعة ، مع مراعاة أحكام الطهارة من غسل ووضوء وتيمم ومتى يعدل عن الأصل الى المبدل ، وأحكام الآذان والصلاة ، مع مراعاة رخص السفر كالقصر ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر الصلوات الرباعية فيصليها ركعتين فقط ، وكذلك كان يجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، إذا إحتاج لذلك وكان هناك مشقة ، لكن المغرب تصلى ثلاث ركعات ، أي أنها لا تقصر ، وكان عليه السلام لا يداوم على شيء من السنن في السفر إلا على سنة الفجر والوتر ، وكان من هديه التكبير في المرتفعات والتسبيح في المنخفضات ، وكذلك عدم النوم في بطون الأودية لأنها مأوى للجن والشياطين ، وكذلك عدم النوم في الطريق ومعابر الناس والدواب بل يتم الابتعاد عن المسالك والسبل ، كذلكم عدم التبول والتغوط في الطرق والسبل أو في ظل الناس الذي يستظلون به ، وعدم التبول في المياه الراكدة والآبار التي يشرب منها الناس والدواب ، لأنه ورد نهي عن ذلك ، وعدم التبول في الشقوق والجحور لأنها مساكن الجن ، وقد أصيب كثير من الناس بالمس جراء تفريطهم في هذه الأمور ، كذلك أيها الأحبة ، عدم الإستجمار بروث أو عظم لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، لأن العظام طعام الجن يكسوها الله لهم لحما أوفر مما كانت عليه ، ورجيع الدواب وروثها طعام لدوابهم ، وإن استجمر يستجمر بحجارة ثلاث أو خمس أو أكثر ، يقطع الإستجمار على وتر ، كذلك إذا ذهب الإنسان للخلاء عليه أن يقول أعوذ بالله من الخبث والخبائث وهي إناث وذكور الشياطين ، وأن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط ، إنما يشرق أو يغرب ، وأن يذهب بعيدا عن الأنظار وأن يستتر من بوله ، وأن يبحث عن مهابط الأرض وسمي الغائط بذلك نسبة إلى غائط الأرض أي مهابطها ، وهو المندوب لقضاء الحاجة فيه ، وأن لا يرفع ثوبه حتى يدنوا من الأرض ، لفعله عليه السلام ، وأن يحرصوا على أذكار الصباح والمساء وهي موجودة في كتيبات جيب مثل حصن المسلم أو غيره مما هو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا نزلوا منزلا أن يقولوا أدعية النزول والإقامة ، وإذا ارتحلوا أن يقولوا أدعية السفر والترحال ، وكلها موجودة في كتب الأذكار ، ولكي تكون الرحلة محفوفة بالملائكة والرحمة ، مذكور أهلها في الملأ الأعلى ، عليهم أن يحرصوا على الذكر والتذاكر ، والحمد والثناء لأهل الثناء سبحانه ، وأن يصونوا جوارحهم عن الحرام ، كالغيبة وسماع المعازف وغيرها ، وأن يجتنبوا التبذير والإسراف لكي لا يكونوا من إخوان الشياطين ، ثم هناك أمر مهم حال الصيد ، أن يتعدوا على أملاك الآخرين إلا بإذنهم ، إلا ما غلب على الظن أن المالك لا يمانع من ذلك ، وأن يلتزموا بأنظمة الصيد ولوائحه ، التي قننها ولاة الأمر للمصلحة العامة ، وأن ينتبه من يصطاد سواء بالجوارح أو بالبنادق ، أن يسمي عند الصيد لأمرين أحدهما وجوب التسمية والآخر لأن الجن أحيانا يتصورون على هيئة الغزلان والضبان والطيور والأرانب وغيرها من الصيد ، فيجب توخي الحذر وقتئذ ، وأن ينتبه أن يكون للصيد فراخ صغار فإن ترك الأم لصغارها فهو من آداب الصيد التي تأدب بها العرب حيث قال قائلهم لما رأى الظباء تشرب وهو عنده ضيف لا يجد ما يقريه به قال :
فأمهلتها حتى تروت عطاشها
على أنني منها إلى دمها أظمى
وبالمناسبة فالبنادق سميت بهذا الإسم لأنه أول ما أستخدمت السهام أستخدمت سهام البندق وهو شجرالـجِلَّوْزكما جاء في لسان العرب وهو عربـي حكاه سيبويه وقال في مختار الصحاح : البُنْدُقُ الذي يُرمى به والواحدة بُنْدُقةٌ بضم الدال أيضا والجمع البَنَادقُ ، ولذلك فإن قول بندقة أصح من بندقية والله أعلم ،
كما ينبغي أن يسود الرحلة المودة والوئام ، لأن هذه هي مقاصد الرحلة ، وأن لا ينسوا إطعام أهلهم شيئا من صيدهم إن تيسر ذلك ، هذا ما تيسر بيانه فإن أصبت فمن الله تعالى ، وإن أخطأت فمن نفسي الخطاءة والشيطان ، هذا والله أعلم وأحلم وأكرم وأعظم ، وصلى الله على نبينا محمد واله وصحبه وسلم .