المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زبدة رمضان



المشرف العام
08-18-2011, 01:42 AM
خطبة جمعة



الجمعة القادمة



19 رمضان 1432



بعنوان



( زبدة رمضان )


كتبها عبدالله بن فهد الواكد


إمام وخطيب جامع الواكد بحائل

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ ما انتظمتْ بتدبيرِهِ الأمُورْ ، وتوالتْ بحكمتِهِ السّنينُ والشهورْ ، وسبحتْ بفناءِ صنعتِهِ أسرابُ الطُيورْ، وسعَ المُقترفين بعفوِهِ وغُفرانِهْ ، وعمَّ المُفتقرين بفضلِهِ وإحسانِهْ ،خرتْ لعظمتِهِ جباهُ العابدينْ ، فطوبى لمن عبدْ ، واعترفتْ بوحدانيتِهِ قُلوبُ العارفينْ ، فويلٌ لمنْ جَحَدْ ، كم سُئلَ فأجزلْ ، وكم عُصي فأمْهلْ ، لا راتقَ لما فتقْ ، ولا فاتقَ لما رتقْ ، ولا رازقَ لمن حرمْ ، ولا حارمَ لمن رزقْ ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله ، وأشهدُ أن محمداً عبدُهُ ورسولُهُ صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلم تسليماً كثيراً : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) أيها النّاسُ : بالأمسِ القريبِ ، كُنّا نستقبلُ هذا الشهرَ المباركَ ، ويبشرُ بعضُنا بعضاً بقدومِهِ ، واليومَ ، نوشكُ أنْ نودّعَ هذا الشهرَ الكريمَ ، ولقد يسّرَ اللهُ منه أفضلَهُ ، وبقيَ فيه أجزلَهُ ، بقي العشرُ الأواخرُ ، هنَّ من أفضلِ لياليه ، ليلةُ القدرِ في إحداهُنّ ، فلا تَكِلُّوا عن بلوغِ غايتِهِ ، ولا تركِسُوا قبلَ نهايتِهِ ، ولا يصرفَنَّكم عن طلبِها حسابُ الحاسبين ، وإيهامُ الواهمين ، فلو كانتْ ليلةُ القدرِ معلومةٌ بالحسابِ ، لأرشدنا رسولُ الله صلى اللهُ عليه وسلمَ إلى ذلكَ ، ولحسَبَها حبرُ الأمةِ بنُ عباسٍ ، وابنُ عمر ، وزيدُ بنُ ثابتٍ ، وغيرُهم رضي اللهُ عنهم ، وكلُّ ماوردَ في شأنِها رؤىً في المنامِ أُريها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ثم أنسيها ، كما في حديثِ أبي سعيدٍ في البخاري ، وأُرُوها جمعٌ من الصحابةِ في السبعِ الأواخرِ كما في البخاريِّ من حديثِ بنِ عمرَ ووردَ في حديثِ عائشةَ أنها في العشرِ الأواخرِ ووردَ عنها أنها في أوتارِ العشرِ الأواخرِ ، ووردَ من حديثِ بنِ عباسٍ أنها ليلةُ أربعٍ وعشرين ، وورد عنه أنها لتاسعةٍ تبقى لسابعةٍ تبقى لخامسةٍ تبقى لثالثةٍ تبقى والأحاديثُ كلُّها في البخاريِّ ، وهنا أودُّ أنْ أذكرَ أنها إذا حُسبتْ من آخرِ الشهرِ على حديثِ بنِ عباسٍ وكانَ الشهرُ ثلاثينَ يوماً صارت في الأشفاعِ وليستْ في الأوتارِ وقد ذكرَ الحافظُ بنُ حجرٍ رحمهُ اللهُ في فتحِ الباري ستاًّ وأربعينَ قولاً في تعيينِ ليلةِ القدرِ ، ورَدَّ رحمَهُ اللهُ على من جعلَهاَ دائماً ليلةََ الأحدِ ، أو دائماً ليلةَ الجمعةِ كأبي الحسنِ الحوليِّ المغربيِّ ، قال بنُ حجرٍ رحمَهُ اللهُ ، وكلاهُما لا أصلَ لهُ ، بل مخالفٌ لإجماعِ الصحابةِ في عهدِ عمرَ ، إنتهى كلامُهُ رحمَهُ اللهُ ، ومن قال أنها ليلةُ الثلاثاءِ دائماً ، فقد شابَهَ قولَ أبي الحسنِ المغربيِّ ، فليرجعْ إلى كلامِ ابنِ حجرَ رحمَهُ اللهُ ، في الفتحِ المجلدِ الرابعِ ، ولينظرْ سعةَ الخلافِ بينَ الصحابةِ والتابعينَ ومن تبعهم بإحسانٍ ، ولم يتطرقوا للحسابِ ، إنما للنصوصِ ، وهم رضي اللهُ عنهم أحرصُ منا عليها ، ولو كانَ هناكَ سبيلٌ لمعرفتِها بالحسابِ لسلكوهُ ، أو بينوهُ ، بل كلُّنا نودُّ لو علمناها ، فلماَّ لم يتبينْ شيءٌ من ذلكَ في أصلِ الشريعةِ ، عُلمَ أنَّ تحديدَها بالحسابِ مبنيٌّ على إدخالِ أشهرِ رمضانَ بالحسابِ ، وهذا غلطٌ عظيمٌ قد تكلمنا عنهُ في خُطَبِ سالفةٍ ، لأننا متعَبَّدونَ بالرؤيةِ لا بالحسابِ ، والله عز وجلَّ قالَ ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّـس:39) فالقمرُ قدرهُ اللهُ منازلَ ، كلُّ ليلةٍ في منزلةٍ ، ولا يكونُ أولُ الشهرِ حتى يعودَ القمرُ كالعرجونِ القديمِ ، وهذا لا يمكنُ حسابُه ، فطالما أن دخولَ الشهرِ لا يثبتُ إلا بالرؤيةِ ، كما وردَ عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ ( صوموا لرؤيتِهِ وأفطروا لرؤيته ) وحديثُ ( لا تصوموا حتى ترو الهلالَ ولا تفطروا حتى تروه ) فلا تثبتُ ليلةُ القدرِ بالحسابِ أبداً ، والصحيحُ أننا لانعلمُ متى هيَ ، وطالماَ أنَّ الأمرَ كذلكَ فلا بُدَّ من التحري والإجتهادِ في ليالي العشرِ كلِّها ، فمن قامَ ليالي العشرِ كلَّها فقد وُفقَ بإذنِ اللهِ لهذهِ الليلةِ الشريفةِ العظيمةِ ليلةِ القدرِ واعلموا أنَّ زبدةَ عامِكم في شهرِكم هذا ، وزبدةَ شهرِكم في عشرِكم هذهِ ، وزبدةَ عشرِكم ليلةُ القدرِ ، فمنْ فازَ فيها ، ووفِّقَ لقيامِها ، فهو لعمرو اللهِ من الفائزين ، وممن باعَ الدنيا بالدينِ ، ورغبَ في جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ أعدتْ للمتقين ، ومن فرَّطَ في نيلِها ، وقصَّر في طلبِها ، فثكلتْهُ أمُّه ، وتربتْ يداهُ ، وتعِس وانتكسَ ، وإذا شيكَ فلا انتقشَ ،

فيا عبادَ اللهِ : إشحذوا الهممَ ، وأفيقوا المراقدَ ، وأسرجوا خيولَ عزائمِكم ، وصارعوا الأجرَ في معتركاتِه ، وعالجوا الخيرَ في عُرُصاتِه ، فإن اللَّحاقَ بالفضائلِ إذا ولَّتْ ، وألقتْ ما فيها وتخلَّتْ ، طلبٌ للمستحيلِ ، ومسابقةٌ للماضي ، ومحاولةٌ لجمعِ الضدينِ ، وضمِّ المستحيلينِ ، فلا يزالُ الخيرُ لكم واجماً ، والغيثُ عليكم ساجماً ، فاستغيثوا الرحماتِ ، واستجلبوا الخيراتِ، واستزيدوا من الحسناتِ ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل: 97].باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني اللهُ وإيّاكم بما فيهِ من الآياتِ والذّكرِ الحكيمِ، أقولُ ما تسمعونَ، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولجميع المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو التواب الرحيم




الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ نبيّنا محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا مزيدًا

أيها المسلمون : سبحانَ من جعلَ لكلِّ أجلٍ كتابًا، ولكلِّ عملٍ حسابًا، وجعلَ الدّنيا سوقًا يغدو إليهاَ النّاسُ ويروحونَ، فبائعٌ نفسَهُ فمعتِقُها أو موبِقُها ، مضَتْ ليالٍ غرٍّ بفضائلِها ونفحاتِ ربِّّها، فَهنيئاً من أعماقِ النفسِ ، ومن شِغَافِ القلبِ ، لمن كانَ في زمرةِ الصَّابرينَ الصَّادقينَ ، الصَّائميَنَ القائميَنَ ، الرَّاكعينَ ، السَّاجدينَ ، أسألُ اللهَ ، أن يتقبَّلَ منَّا ومنكم صالِحَ الأعمالِ ، كأنّ رمضانَ ضربُ خيالٍ ، هذا هو شهرُكم، وهذه ثالثُ مراحلِه ، كم من مستقبلٍ له لم يستكمِلْهُ ، وكم من مؤمِّلٍ أن يعودَ إليه لم يدرِكْهُ، فاغتنِموا ما بقي منه بمضاعفةِ الطّاعاتِ، فأيّامُ رمضانَ تسارعُ مؤذنةً بالانصرافِ والرّحيلِ، وحياتُكَ أيها المغرورُ ، أنفاسٌ معدودةٌ وآجالٌ محدودةٌ، وإنّ عمُرًا يقاسُ بالأنفاسِ لسريعُ الانصرامِ ، وشديدُ الإنهزامِ ، فاحذَرْ الاغترارَ بالسّلامةِ والإمهالِ ، ومتابعةَ سوابغِ المُنى والآمالِ، فالأيّامُ تُطوى والأعمارُ تفنَى، فاستلِفِ الزمنَ وغالِبِ الهوى ، واجعَلْ لك فيما بقيَ من الليالي مدَّخرًا فإنّها أنفسُ الذّخرِ، وربما أفضلُ الشهرِ ، واغتنِمْ آخِرَ ساعاتِهِ بالدّعاءِ، ففي رمضانَ كنوزٌ غاليةٌ، وسلِ الكريمَ فخزائِنُهُ ملأى ، ويداهُ سحَّاءَ الليلِ والنّهارِ ، وتعرضْ لسحائبِ رحمتِهِ في دُجى الأسحارِ، لحظاتُ رمضانَ الأخيرةُ نفيسةٌ، ولعلّكَ لا تدرِكُ غيرَه، افتَحْ صفحةً مشرقةً مع مولاكَ، واسدِلِ الستارَ على ماضٍ نسيتَهُ وأحصاهُ اللهُ عليكَ، وعاهِدْ نفسَكَ في هذا الشّهرِ بدوامِ المحافظةِ على الصّلواتِ الخمسِ في بيوتِ اللهِ وبرِّ الوالدينِ وصلةِ الأرحامِ وتطهيرِ مالِكَ عن المحرّماتِ والشّبهاتِ وحفظِ لسانِكَ عن الكذبِ والغيبةِ وتطهيرِ القلبِ من الحسَدِ والبغضاءِ وغضِّ البصرِ عن المحرّماتِ والقيامِ بشعيرةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، واستدركْ هفواتِ الفواتِ، فالترحُّلُ من الدنيا قد دنا، والتحوّلُ منها قد أزِفَ، والرشيدُ من وقفَ مع نفسِهِ وقفةَ حسابٍ وعِتابٍ، يصحّحُ مسيرتَها ويتداركُ زلّتَها، وأتبِعِ السيّئةََ الحسنةََ تمحُها ، قالَ جلّ وعلا: (إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذكِرِينَ) :[هود: 114]، ويقولُ النبيُّ {اتّقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ الناسَ بخلقٍ حسن} رواهُ الترمذي. ومَنْ عزمَ على العودِ إلى التّفريطِ والتقصيرِ بعدَ رمضانَ , فاللهُ يرضى عمّن أطاعَهُ في أيّ شهرٍ كانَ ، ويغضَبُ على من عصاهُ في كلِّ وقتٍ وزمانٍ ، ومدارُ السعادةِ في طولِ العمرِ وحُسنِ العملِ ، يقولُ :المصطفى {خيرُ النّاسِ من طالَ عمرُهُ وصلُحَ عملُهُ}.

ألا وصلو وسلموا

سديراويه والعين ليه
08-18-2011, 03:43 PM
من اروع الخطب واجملها باارك الله فيكم ونفع بعلمكم

اسال الله لكم الثبات وان يجزل لكم الحسنات ويثقل بها موازينكم ..

واستاذنكم لنقلها باركم الله فيكم ..

ننتظر المزيد ..

المشرف العام
08-18-2011, 06:49 PM
بارك الله فيك
ولا مانع نقلها