المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطورة الفساد وأثره على الفرد والمجتمع



المشرف العام
07-29-2011, 03:45 AM
خطبة جمعة



بعنوان



خطورة الفساد وأثره على الفرد والمجتمع



كتبها



عبدالله بن فهد الواكد


إمام وخطيب جامع الواكد بحائل



الخطبة الأولى

أيها الأحبة المسلمون : لا يشك مؤمن عاقل أن ما وصلت إليه حال المسلمين اليوم في كل مكان من الفوضى والفقر والعيلة إنما هو بسبب بعدهم عن شرع الله سبحانه وتعالى بسبب بعدهم عن تعاليم الدين وهدي الشريعة السمحة إستشرى الفساد في جسد الأمة بجميع أنواعه سواء كان فسادا عقديا أو منهجيا أو أخلاقيا أو ماليا أو إداريا ، كل أنواع الفساد هذه سببها الأول البعد عن الدين لأن الدين هو الرادع الداخلي للمسلم ثم بعد ذلك الرادع الخارجي وهو السلطان فإذا فقد الإنسان رادعه الداخلي وأمن من الرادع الخارجي فما الذي يمنعه أن يعثو في الأرض فسادا فيهتك الأعراض ويحدث الفوضى وينهب الأموال والثروات ويستخدم أصول الوطن ومقدرات الأمة العامة لأموره الخاصة هذا هو الفساد الإجتماعي منبعه فساد الفرد واستئثاره بما وقعت عليه عينه وطالته يده ظنا منه أن هذه الوظيفة التي أسندت إليه وهذا المنصب الذي تنصبه أنه ملك له يفعل به ما شاء فيسطوا عليه وينهب منه وما علم أنه أجير وعامل ينفذ ما أسند إليه ويخدم عامة المسلمين ، وما علم أيضا أن كل صغير وكبير يدخل جيبه غير أجره وراتبه ومستحقاته المشروعة ، فهو غلول والعياذ بالله ، قال تعالى ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) والأصل في الغلول يا عباد الله هوالأخذ من الغنيمة قبل أن تُقسم ، ويدخل فيه كل ما أخذ من بيت مال المسلمين بدون إذن ويدخل فيه كل أخذ وأثرة من مصالح المسلمين دون رضى الأمة بذلك فضلا عن علمها به .
أيها الناس : روى الترمذي في سننه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرت أرسل في إثري، فرددتُ، فقال: أتدري لم بعثتُ إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )
فما بال أقوام أيها المسلمون ، أبطنوا الأمانة خيانه وجعلوا ثقة ولي الأمر فيهم وسيلة لتدمير مكتسبات الوطن لمصالحهم الخاصة ، وكل المجتمع أيها المسلمون مسئول عن هذا الفساد لأن الساكت والمتغاضي مشارك سلبى في هذا الفساد , يرى الفاسد ولا يحاول منعه , يقول الله تعالى ناعيا على الأمم السابقة التى تفشى فيها الفساد بسبب سكوتهم عنه يقول تعالى ( فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ) قال الطبرى رحمه الله : (أولو بقية) : يعني بقية من الفهم والعقل ، يعتبرون مواعظَ الله ويتدبرون حججه، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله ، وما عليهم في الكفر به و(ينهون عن الفساد في الأرض) ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم ، وأهل الكفر بالله عن كفرهم به في أرضه ,
فالفساد أيها المسلمون : حين يترك ويهمل يكبر و يتضخم و يهدد المجتمع كله ، مثل الفساد في الثمار ، والفساد في الأبدان ، كلها تعالج فإن لم تصح بترت وأزيلت ، أيها المسلمون : أبو بكر الصديق رضي الله عنه ذات يوم جاءه غلام له بتمر، فأكل منه تمرة، وكانت عادة الصديق ألا يأكل طعاماً من يد خادمه إلا بعد أن يسأله: من أين لك هذا؟، فأكل الصديق ذات مرة من ذلك الطعام قبل أن يسأل الغلام ، فلما ابتلعها سأل خادمه وقال له: (من أين لك هذا التمر؟ فقال: تلك كهانة كنت تكهنت بها في الجاهلية لرجل فأعطاني عليها هذا، فأدخل الصديق رضوان الله عليه أصبعه في حلقه، فأخذ يستجرها ويخرجها" يتقيأ" حتى كاد يهلك من شدة ما جهد نفسه بذلك، حتى خرجت تلك التمرة، وخرج سائر ما في بطنه، فقال له الغلام: لقد شققت على نفسك، فقال: والله لو لم تخرج هذه التمرة إلا مع روحي لأخرجتُها) الله أكبر يا عباد الله !! أين المسلمون في هذا الزمان عن تلك الصورة الإيمانية الرائعة؟! أين المسلمون في هذا الزمان الذي لا يبالي أحدهم إلا من رحم الله ، أي مال وقع في يده, وأي لقمة وضعها في فمه، وأي متاع أدخله بيته؟! أيدري أنه حلال أو حرام؟! فيا عباد الله: راقبوا الله جل وعلا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ...) (رواه الترمذى) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة....) (رواه مسلم)
فتباً لدنيا حلالها حساب، وحرامها عذاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فانتبهوا لذلك يا عباد الله، ولا يَتَجَرَّأَنَّ أحدٌ على مال لم يتأكد أنه حلال له، ولا يتسلطن أحد على مال قل أو كثر، وإلا فليعلم أنه سيُحاسب حساباً شديداً، سيجده محمولاً على رقبته قال عليه الصلاة والسلام : (من غل شاة جيء به يوم القيامة تيعر وهي على كتفه، ومن غل بعيراً جاء يحمله يوم القيامة وله رُغاء يسمعه أهل الموقف على كتفه، ومن غل فرساً جاء يحملها يوم القيامة ولها حمحمة معلومة) ومن غل شيئاً قليلاً أو كثيراً إلا جُعل ناطقاً أمامه، حتى الذهب والفضة، من غل صامتاً، أي: ذهباً أو فضة جاء به يوم القيامة يحمله. فاتقوا الله يا عباد الله، وخففوا الحمل في هذه الدنيا، لا تثقلوا كواهلكم بحقوق الناس وأعراضهم ودمائهم، فحسب ابن آدم أن يغدو بما اجترح من الذنوب والسيئات ، عسى الله أن يتجاوز، وعسى الله أن يتدارك الجميع برحمته. بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة ، ونفعني وإياكم بما فيهما من العلوم الظاهرة والمستكنه ، وتاب علي وعليكم وعلى سائر المسلمين صاحب الفضل والمنة ، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم .


الثانية

معاشر المؤمنين: إننا نرى رأي العين في هذا الزمان بعض المسلمين يظنون أن من الذكاء، ومن الحنكة، ومن القدرة العقلية، أن يخدع دائرة ما، أو محكمة ما، أو جهة ما، لينال منها صكاً يتقوى به على مال أخيه بالحرام أو على المال العام ، أو ليزور طريقة لكي ينهب ويسلب شيئاً من متاع أخيه بالحرام أو من الأموال العامة . أو صكا يتقمص فيه الإعسار تكسبا والعياذ بالله ألا يظن أولئك أن الخصومات تُعاد يوم القيامة؟!
من ظن أن الخصومة في الدنيا منجية منتهية فظنه خطأ، وعلمه جهل. وليتذكر وليعلم أن الخصومات ستُعاد يوم القيامة، وسيقف الناس بين يدي الله للقصاص حتى يقاد للشاة القرناء من الشاة الجلحاء. فما بالكم برجل خَصِيْمُه أمة محمد أجمع، من أستعمل سيارة أو متاعاً أو أخذ مالاً أو أرضاً بغير حق، فاقتطعها دون سائر الأمة أتظنون أن خصمه واحد؟! لا والله، بل كل أمة محمد خصومه يوم القيامة، فلا حول ولا قوة إلا بالله! إن الأمر جد خطير ، وأن الخطب حق جلل ، وأن العقوبة صدق أليمة ، فاتقوا الله وصلوا على رسول الله .