المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أيها المنصتون ! أين الأماكن ؟



المشرف العام
11-26-2010, 01:26 AM
خطبة جمعة

( أيها المنصتون ... أين الأماكن ؟ )

عبدالله بن فهد الواكد

إمام وخطيب جامع الواكد بحائل


الخطبة الأولى

أما بعد: أيها المسلمون : فإن الدنيا لا ثمرة فيها ، ولا خير يرجى منها ، إذا لم يكن سعي العبد في مرضاة الله ، وعمله في مراد الإله ، لأن الإنسان ، ما خلق في هذه الدنيا للعب والعبث ، إنما خلق للعبادة ، ولكن هذه المتع ، التي تحف به من كل جانب ، والمصالح التي يقضي بها أمر معاشه ، ولوازم بقائه ، إنما هي مقومات للعبادة ، ومساند لإقامة الدين ، لكن المقصد العظيم من الخلق ، هو عبادة الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )
إخوة الإسلام : سؤال يطرح نفسه عليكم ، لتتأملوه ، وتدركوه ، لما يوفق أناس لعبادة الله ، و يخذل آخرون ؟ أوليسوا كلهم بشر ، أوليسوا كلهم خلق ، مالذي جاء بسلمان الفارسي ، يدك مجالد الأرض ، ويطوي أصقاعها ، من بلاد فارس ، يتقلب من دليل إلى دليل ، ومن راهب إلى راهب ، سلبت حريته ، وبيع بثمن بخس دراهم معدودة ، وهو لا يلويه عن مآتيه شيء ، ولا يثنيه عن مراده مراد ، حتى استقر به الأمر ، وآل به المآل ، إلى بستان من بساتين المدينة ، فجاء البشير بقدوم البشير ، وهو في فرع نخلة يخرفها لسيده ، فانسلخ منها وخرج ، قال له سيده إلى أين ، لما تركت النخلة ، قال ما أتيت لقطف الثمار ، ولا لخرف النخيل ، إنما للقاء الخليل ، أتيت لألقى محمدا ، وأدخل في دينه ، سبحان الله ، فأي همة تلك ، وأي صبر على معافرة الأسفار ذلك ، رحلة الهداية ، رحلة عظيمة ، إن الهداية التي يسعى الناس إليها ، ليست ناموسا يتنزل عليهم من السماء ، وليست طباعة تطبع على قلوبهم ، ولا منحة تمنح إياهم ، إلا أن يسعوا لها سعيها ، فلو كانت كذلك لكان أبوطالب وغيره ، من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بهذه المنح ، لكنها رحلة لا يوفق لها إلا من سعى إليها ، قال تعالى : ( وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) وقال عليه الصلاة والسلام ( كلكم يدخل الجنة إلا من أبى ، قالوا ومن يأبى يارسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى )
إن الهداية بمشيئة الله ، ولا يمكن لعبد أن يهتدي إلا أن يشاء الله ، ولكن الله عز وجل جعل مقاليد أمور العبد الإختيارية بيده ، وأزمتها في عصمته ، والله عز وجل لا يهدي المدبر ولا يهدي الكافر ، ولا يهدي الظالم ، ولا يهدي الكاذب ، حتى يعود مقبلا ، بسجايا تقابل سجايا الإدبار ، قال تعالى ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وقال سبحانه : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ( َ
وقال تعالى : ( ولَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
إن الإعراض عن ذكر الله ، والإدبار عن هدى الله ، وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لمن موجبات ختم القلوب ، وامتناع محل الهداية والصلاح ، لذا ينبغي لنا أيها الأحبة في الله ، أن لا ننتظر غيث الهداية أن يمطر علينا ، دون أن نرفع أكف الإستغاثة والإستهداء ، وكثيرا ما نعلق أمر تقصيرنا في التربية ، على عدم حينونة الهداية ، وأن الهداية بيد الله ، وأن الله عز وجل ، هو الذي صرف الهداية عنا ، وأفاضها على آخرين ، وهذا الكلام صحيح في مجمله ، ولكن الهداية صرفت عمن صرفت عنه بسبب تقصيره في طلبها ، ووفق إليها من سعى واجتهد في طلبها ، فأين سعينا في تحقيق الهداية ،
رجل كان له ولد ، هذا الولد ، قد عج فيما عج فيه كثير من الناس ، في فترة مضت ، فصاحب أصحاب الغفلة والأغاني والسهر، وتضييع حقوق الله ، فناصحه والده فلم يجب ، وكرر عليه فلم يستجب ، فتركه حتى كان يأتي هو وأصحابه في بيت والده ، ويسهرون على غيهم وغفلتهم ، فقال أحد الأقارب لوالده ناصحا ، أوماكنت طاردا هذا الولد من بيتك ، فلقد تجاوز حد الإساءة إليك ، وأرهقك من أمرك عسرا ، فقال الوالد رحمه الله لقريبه ، إنه ليس من الحكمة أن أطرد ولدي من بيتي ، أأخرجه من البيت الذي نشأ في بناءه ، وترعرع في فناءه ، أنا لن أطرد ولدي من بيتي وإن فعل ما فعل ، فإن طردته فمن الذي سيؤويه ، وإن أبعدته فمن الذي سيدنيه ، سأصبر عليه ، وسيجعل الله بعد عسر يسرا ، قال لقريبه : وآفاق الأمل تفوق آفاق الحقيقة أمام ناظريه ، إنني الآن أسلك طريقا لا يفلس من سلكه ، وأمسك حبلا لا يهوي بمن أمسكه ، فقال قريبه وماذا ستصنع ، قال الوالد ، حيلتي الآن ، إذا جاء الثلث الأخير من الليل ، إجتهدت له بالدعاء أن الله يصلحه ويهديه ، والآن أيها الإحبة ، أتدرون ما حال الولد ، إنه الآن إمام مسجد ، ومن خيرة الدعاة ، ودبر كل صلاة يدعوا لوالده بالرحمة والمغفرة ، فنسأل الله لنا وله الثبات ،
إخوة الإسلام : إنما نسوق هذه القصة من واقعنا ، لنعلم أن الأمر ، أمر صبر وحكمة ، وليس حماقة وصرعة ، إن بذل الوسائل الحسية والمعنوية ، وطرق أبواب السماء ، لمن وسائل صناعة أماكن الهداية والصلاح ، فمن أين تكون البداية ، وماهي سبل الهداية ، وكيف يكون التوفيق لها ، وكيف يكون الخذلان ، يجب علينا أيها الأحبة أن نتأمل ذلك جيدا ، بقلوب بصيرة ، وأعين مبصرة ، وأن لا نخطيء في تقديرنا وحساباتنا ، ولا نتهاون في إعدادنا لأنفسنا ، وأن نكون واقعيين في تعاملنا مع قضايانا الخاصة والعامة ، وأن نكون أولي شفافية مطلقة ، وصدق منقطع النظير ، فالقضية قضية مصير ، إما إلى جنة أو إلى سعير ، نعوذ بالله من النار وسوء المصير،
أحبتي في الله : هل يستطيع أحدنا ، أن يعيش هو وأسرته ، دون أن يكون لهم بيتا يأوون إليه ، ومسكنا يترددون عليه ، أوليس أحدنا يتجشم الديون ، والإستلاف والأقساط ، والعنت والمشقة ، من أجل أن يبني له بيتا يؤويه وأسرته ، أيستطيع أحدنا أن يبيع ويشتري ، دون أن يكون له دكانا ومكانا يضع فيه بضاعته ، هل يستطيع أحدنا أن يضع شيئا ما ، دون أن يكون لهذا الشيء مكان ما ، فهذه هي الأماكن التي لا يمكن للأشياء الحسية أن تستقر إلا فيها ، إنما هي عامة في كل شيء ، في الأمور الحسية والمعنوية ، فهي تحتاج إلى أماكن تسكن فيها ، وتستقر داخلها ، حينما تأمر شخصين ، طفلا صغيرا وشابا ناضجا بأمر ، فإن الشاب يستوعب الأمر وأما الطفل ، فلا يستوعب ذلك ، وذلك لأن محل قبول الأمر ، متوفر لدى الشاب دون الطفل ، ولو نصحت شخصين بنصيحة واحدة ، فاستنصح أحدهما ولم يستنصح الآخر ، فإن ذلك دليل على أن لدى أحدهما محل لقبول النصيحة دون الآخر ، قال بن القيم رحمه الله ( ثم فكرت ، هل للتوفيق والخذلان سبب أم هما بمجرد المشيئة لا سبب لهما ؟ فإذا سببهما أهلية المحل وعدمها ، فهو سبحانه خالق المحال متفاوتة في الإستعداد والقبول أعظم تفاوت ) إنتهى كلامه رحمه الله ، فالأمور المعنوية ، شأنها شأن الأمور الحسية لا بد لدخولها وإستقرارها وبقائها ، من محل تبقى فيه ، ومكان تسكن إليه ، فإن لم نوجد للموعظة محلا ، فكيف يتضمخ بها القلب ، كونها تلج من هاهنا وتخرج من هنالك ، لا يستفيد منها القلب ، لأننا لم نهيأ لها مكانا في أنفسنا ، فلن تستقر ، ولن تبقى إلا ببقاء صدى النصيحة في الأذنين ، فهل تنبهنا لأهمية المكان ، وقيمته العظيمة ، وأن التوجيهات والنصائح ، والكلمات والمحاضرات ، والخطب والمواعظ ، لا تفعل شيئا ، ولا تحرك ساكنا ، مالم نعد لها مكانا في أنفسنا تستقر فيه ، ومحلا في قلوبنا تلج إليه ، فنسأل الله أن يوفقنا لذلك ، وأن يعيذنا ، من أن نكون ممن قال الله فيهم ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم




الخطبة الثانية
إخوة الإسلام :
إن أهمية المكان ، وإحداث المكان ، لتلج إليه المواعظ والنصائح ، لهي مما يغفل عنه كثير من الناس ، وهو أمر يدرك بالنقل قبل العقل ، قال الله تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ) وقال سبحانه ( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)
عبادالله :
إن الأماكن المعنوية ، تنقسم إلى ثلاثة أقسام : قسم أعطاه الله أماكن محددة كالجمادات والبهائم ، تستوعب محلاتها على قدر ما تحتاج إليه ، من غذاء وتناسل ، وغير ذلك ، مما تتصل به مع بعضها البعض ، أو مع غيرها من البشر ، بطرقها البهيمية ، كتعليم الطيور وتكليب الكلاب ولا تصل هذه الأماكن إلى درجة أماكن البشر ، واستيعاب تكاليف العبادة ، فرفع الله عنها تكاليف العبادة مطلقا ، وجعل منها متعا وزينة لعباده ،
وقسم منحه الله صنع الأماكن وتطويرها ، وتوسيعها ، لتستوعب ، ما يمكن إستيعابه ، من علوم الشريعة ، وأسباب الهداية والتوفيق ، والعلوم الدنيوية ، ووسائل العيش والتربية ، والمدنية والإجتماع ، وغير ذلك مما هو على نحوه وشاكلته ، وهذا القسم مكلف بالعبادة ، مأمور بأوامر الشريعة ، محاسب بشريعة الله في الدنيا ، ومجزي على عمله في الآخرة ، وهؤلاء هم نحن ياعباد الله ،
وأما القسم الثالث : فهو قادر على صنع أماكن الإستيعاب ولكنه ممنوع منه مؤقتا إما لنمو في العقل الصانع كالصغير الذي لم يبلغ ، أولإحتجابه بمانع ، بذهاب العقل كالمجنون والنائم ، قال عليه الصلاة والسلام ( رفع القلم عن ثلاثة ( النائم حتى يستيقظ ، والصبي حتى يبلغ ، والمجنون حتى يفيق )
نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم جميعا ، لفتح أماكن الخير في قلوبنا ، وسلوك سبل الهداية ، إنه سميع مجيب ، ألا وصلو وسلموا