المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثقة والغادر



المشرف العام
11-26-2010, 01:17 AM
خطبة جمعة

بعنوان

( الثقة والغادر )

كتبها / عبدالله بن فهد الواكد

الخطبة الأولى

أيها الأحبة المسلمون: الثقة بين الناس صفة محمودة، تطمئن إليها النفوس، وترتاح لها القلوب، وكل من اتصف بهذه الصفة صار ثقة محبوبا عند الناس، مقربا لديهم ، مأمونا في أقواله وأفعاله ومعاملاته ، وبقدر ما يكون ثقة أمينًا فإنه يكون أهلاً يُعتَمَد عليه بعد الله تعالى في كل شيء ، فإذا تزعزعت هذه الصفة وزالت ، إهتزت مكانته عند الناس ، وابتعد الناس عنه ، وحذروا من التعامل معه ، وأصبح الناس لا يأمنون غدره وانقلابه.
والمرء أيها الناس : إذا كان معدوم الثقة تنقطع عنه الروابط الأخوية والعلاقات الاجتماعية ، فلا يؤمن له جانب ، لا في عرض ولا مال ولا غير ذلك من ضروريات الحياة الأخرى ، لأن الخيانة ديدنه ، والغدر صفته وعادته ، يبيعك بأقل ثمن ، ويروغ عنك لأتفه سبب ، لا يتردد في إلقائك في المهالك والحفر ، ولا يتورع عن وصفك بأقبح الصفات ونعتك بأبشع الألفاظ ، من أجل مصلحة من مصالحه ، فلا تطمئن لصداقته ، ولا ترتاح لتظاهره بحسن علاقته ،
لذلك أيها المسلمون : كانت صفة الغدر من الصفات القبيحة التي ذمها الإسلام ، ومن الخلال الذميمة التي حذر منها أشرف الأنام .
قال تعالى: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) ، وقال جل وعلا: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً )
وأعظم الغدر قبحا ، أن ينقض الإنسان العهد الذي بينه وبين خالقه ، بينه وبين الذي أوجده من العدم ، وَأَدَرَّ عليه الخيراتِ والنعم ، ثم هو في كل مرةٍ لا يفي بما وعد ، ولا يُتِم ما به التزم وتعهد ، فكم من أناس عاهدوا الله لزوم الطاعة ، ولزوم الجماعة ، وعاهدوا الرزاق ، على البذل والإنفاق ، وعاهدوا الحكيم العليم ، على الإذعان والتسليم ، فما أوفوا بوعودهم وما التزموا بعهودهم ، بعدما من الله عليهم بالصحة والعافية ، وبالسلامة والنجاة ، وبالغنى والمال ، أعطاهم الله ما سألوه ، ولم يوفوه ما عاهدوه
ومن اتصف بذلك فإنه على حالٍ خطيرة ، قال تعالى: ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ )
أيها المسلمون : إن الغدر صفة ذميمة وممقوتة ، ولا أدلّ على ذلك ، من أن الخالق ، هو خصمه يوم يبعث الخلائق ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجره)) رواه البخاري. ومن كان الله تعالى خصمه فقد وقع في أحقر موقف وأذل صورة وأخزى حال ، إذ هو أمام رب العالمين وأحكم الحاكمين.
ولقد عاقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغادرين بعقوبة قاسية أليمة ، فعن أنس بن مالك أن أناسًا قدموا على رسول الله المدينة فاجتووها ـ أي: استوخموها فلم تناسبهم واعتلت صحتهم ـ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ) ، ففعلوا وانطلقوا إليها ، فشربوا من أبوالها وألبانها ، حتى صحوا وسمنوا فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث في آثارهم وأتى بهم ، فأمر أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ثم أمر بسمر أعينهم، وطرحهم في الحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا. رواه البخاري ومسلم.
أنزل بهؤلاء هذه العقوبة الصارمة جزاء غدرهم ومقابلتهم الإحسان بالإساءة والمعروف بالنكران، ولعذاب الآخرة أخزى وأشد.
ولو لم يكن في الغدر والخيانة وعدم الوفاء بالعهد إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّ ذلك من صفات المنافقين لكفى ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر )) رواه البخاري ومسلم.
ومما يدل على شؤم الغدر وسوء عاقبته أن الله تعالى يفضح صاحبه على رؤوس الخلائق يوم القيامة ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان)) متفق عليه ،
فتكون عقوبته في ذلك الموقف العظيم ، التشهير بخيانته وإعلان غدره ونشر فضيحته أمام أهل الموقف، حتى يُعرف بذلك ويُذم بينهم نسأل الله لنا ولكم السلامة ، وأما المؤمنون الصادقون ، الموفون بعهودهم فقد أثنى الله عز وجل عليهم في كتابه فقال سبحانه ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم


الثانية

أيها الإخوة في الله : نعوذ بالله من الغدر وأهله ، كلما انتشر الغدر بين الناس وشاع بينهم نقضُ العهد وعَدَمُ الوفاء به أدى ذلك إلى تفكك المجتمع واضطرابه ، وفقدان الثقة بين أفراده ، وعدم اطمئنان بعضهم لبعض ، وتناؤوا عن روابط الألفة والتماسك فيما بينهم ،
روى بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم ، ولا ظهرت الفاحشة في قومٍ إلا سُلط عليهم الموت ، ولا منع قوم الزكاة إلا حُبس عنهم القطر)) رواه الطبراني.
أيها المسلمون : إذا سادت الثقة بين الناس ، وأمن بعضهم بعضا ، والتزموا الوفاء بما عليهم ، ساد الخير والمعروف بينهم ، وصارت قلوبهم صافية ، ونواياهم سليمة ، ووفقهم الله لكل خير ، وحرسهم الله من كل سوء ،
ألا وصلوا وسلموا على خير من وفى العقود ، وأتم العهود ، صاحب الحوض المورود ، محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا