المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تريد صاحبا لا يعتذر ( إنه الصبر )



المشرف العام
11-26-2010, 01:03 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





هذه خطبة جمعة عن الصاحب الوفي الصامت المخلص ( الصبر ) الذي يجمع لك بين الأجر وعلو المنزلة في الدنيا والآخرة


أسأل الله أن يجعلنا من الصابرين


أخوكم





عبدالله بن فهد الواكد







الخطبة الأولى



الحمد لله الصبور الشكور، شملت قدرته كل مخلوق ومأمور ، وجرت مشيئته بتصاريف الأمور.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والنظير ، وتعالى عن الشريك والظهير . وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعرف الخلق بربه، وأقومهم بخشيته، وأنصحهم لأمته ، وأصبرهم لحكمه، وأشكرهم لنعمه . فصلى الله وملائكته وأنبياؤه عليه، كما وَحَّدَ الله وعَرَّف به ودعا إليه ، وسلم تسليمًا كثيرًا . ورضي الله عن جميع أصحابه وأتباعه الحامدين لربهم على السراء والضراء ، والشدة والرخاء. اللهم اجعلنا من المتقين المستجيبين لأمرك ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله: ما أحوج أن يكون لدى الإنسان في حياته ، ذخرا يتكأ عليه في النائبات ، وسندا يلجأ إليه في الملمات ، فهل من سائل عن هذا المتكأ ، وذلك الملجأ ، هذا الذخر وهذا السند ، من رحمة الله عز وجل ، أنه جعله في في كل بيت وحي ، وفي كل مدر ووبر ، وفي متناول الناس جميعا ، أميرهم ومأمورهم وكبيرهم و صغيرهم وغنيهم وفقيرهم ، سند بصفات عجيبة ، وذخر بميزات غريبة ، لا يشيب ولا يهرم ، ولا يتعب ولا يسأم ، كلما ساندك وآزرك ، إزداد بك صلابه ، وازددت به وقارا ومهابة ، ذكره الله عز وجل في القرآن في أكثر من سبعين موضعا ، أمر الله عز وجل بملازمته ، وبشر أهله بالرحمة والهداية ، جعله الله للمؤمن آخية يجول ثم يرجع إليها ، وساق إيمان لا اعتماد له إلا عليها ، فلن يطول صبركم أيها الأحبة في منتظر معرفته ، لأنه الصبر ، الصبر ياعباد الله ، فلا إيمان لمن لا صبر له ، وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف ، وصاحبه ممن يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ، ولم يحظ من الدنيا والآخرة ، إلا بالصفقة الخاسرة.
الصبر يا عباد الله خلق فاضل من أخلاق النفس ، فبه صلاح شأنها وقوام أمرها، قال النبي r: ( وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر)
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وجدنا خير عيشنا بالصبر.
لأن النفس أيها المسلمون ، مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لهذه المطية بمنزلة الحلس والخطام والزمام ، فإن لم يكن للمطية خطام ولا حلس ، توجهت أينما شاءت ، وليست أينما شاء راكبها وممتطيها ،
ولا يستغني الإنسان عن الصبر في حال من الأحوال؛ فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وتنفيذه ، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه ، وقدر يجري عليه بغير اختياره ، ونعمة يجب عليه شكر المنعم بها.
فأما الأمر الذي يجب علينا امتثاله وتنفيذه فهو طاعة الله ورسوله ، والعبد محتاج إلى الصبر عليها؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية لما في طبع النفس من الكسل وإيثار الراحة ، ولا سيما إذا اتفق مع ذلك قسوة القلب ، ورين الذنب ، والميل إلى الشهوات ، ومخالطة أهل الغفلة ، فلا يكاد العبد مع هذه الأمور وغيرها أن يفعلها ، قال الله عز وجل في الصلاة ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) وقال تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) وكذلك في سائر العبادات وكافة الأوامر
وأما النهي الذي يجب علينا اجتنابه وتركه فهو المعاصي كلها. وأعظم ما يعين على تركها قطع المألوفات، ومفارقة مجالس أعوانها ، وقطع العوائد الفاسدة . وإجلال الله تبارك وتعالى ، فكيف ندعي حب الله ونحن نعصيه وكيف نعصى الله وهو يَرَى ويَسْمَع. وكيف نقابل المحسن المنعم بالإساءة
وأما الصبر على القدر الذي يجري علينا بغير اختيارنا - كالأمراض والفقر وموت الأقارب والأحباب وغيرها، فيجب علينا أن نرضى بها ولا نتسخطها.
وهذه الثلاثة ، الصبر على المأمور، والصبر عن المحظور، والصبر على المصائب ، هي التي أوصى بها لقمان ابنه في قول الله عز وجل : ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ )
ولا ننسى النعمة ، النعمة التي يجب علينا شكرها وشكر المنعم بها كالصحة والجاه والمال وأنواع الملاذ المباحة، فالمسلم محتاج إلى الصبر فيها بأن لا يركن إليها، ولا يغتر بها، ولا يحمله فيضها على الأشر والبطر، والفرح والطغيان الذي لا يحب الله أهله، وأن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها. لأن الصبر على أداء حق الله فيها يحفظ النعم من الزوال ، فلا يصرفها في الحرام ، ولا يمكن نفسه من كل ما تريد منها . قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.
أعوذ بالله من الشطيان الرجيم ( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) . بارك الله لي ولكم في القرآن ...






الخطبة الثانية



فاتقوا الله عباد الله ولازموا الصبر على المأمور، والصبر عن المحظور، والرضا بالمقدور، والشكر عند أسباب السرور، فقد ذم الله المتصفين باليأس والكفر عند المصيبة، والفرح والفخر عند النعمة، ولا خلاص من هذا الذم إلا بالصبر والعمل الصالح.واعلموا أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر؛ وأن الصبر أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد، وقد ضمن الوفي الصادق لأهل الصبر في محكم الكتاب، أن يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبر أنه معهم بنصره فقال ( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمه الباطنة والظاهرة، وخصهم بالهداية دون من سواهم ( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )
ومن لم يكن الصبر خُلُقًا له ، فلا بأس أن يتكلَّفه ويسْتَدْعيه ويزَاوَلَه حتى يصير سجية له وطبيعة، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
( ومن يتصبر يصبره الله )
ألا صلوا وسلموا على خير هاد وبشير؛ فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين، وبدأ بالصلاة عليه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)