المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة شمس أفلت بين براثن الشيطان



ابن عقيل
11-18-2010, 02:52 AM
[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط]



قصة شمس أفلت بين براثن الشيطان

كان يوما خريفيا باردا ،أجل .. باردا جدا. يومها وقفت في شرفة غرفتي المطلة على البحر أترقب بهدوء شروق الشمس. كانت نسمات الصباح الباردة تشعث شعري ،و ترسله يمنة و يسرة بلا انتظام، ثم تتسلل بخفة عبر ثنايا معطفي الصوفي لتبعث في جسدي تلك القشعريرة التي أعشقها. اتكأت على يديَّ باسترخاء أنتظر و أنتظر،و لم يكن يعكر صفو خلوتي سوى دقات الساعة المتواترة برتابة قاتلة دفعتني لأهرب بعيدا عنها إلى عوالم نسجتها خيوط خيالي.
- "صباح الخير أمي" ردني صوته ،و أعادني من رحلة خلف الأفق كنت قد ابتدأتها بحثا عن شمس ذاك الصباح الباهت.
-"صباح النور، أهلا بني. أراك قد عدت باكرا من عند صديقك ،ألم تقضِ ليلة مريحة بصحبته".
-"بلى أمي ،لكن ..." صمت قليلا ثم تابع مرتبكا :"جئت أعلمك بسفري".
-"سفر؟ إلى أين؟ و ماذا عني و عن شقيقتك؟ لمن تتركنا؟".
-"سأسافر إلى الجنوب مع سامر، سنبحث عن عمل. أمي لم أعد أطيق هذه البطالة التي أعيش فيها. يجب أن أبحث عن ذاتي التي قتلها أبي مرة حين منعني الدراسة و القراءة لأجده يعود آخر الليل مخمورا فينهال علينا ضربا و شتما و تقريعا دون مسوغ أو داعٍ،و لن أسمح لكِ بقتلها ثانية بانشغالاتك هنا و هناك". ثم غادر صافقا الباب خلفه بقوة.
طأطأت رأسي بانكسار ،و تمتمت لنفسي:"لم أحسن التربية. سأتجرع مر هذا الكأس رويدا رويدا"، تنهدت بعمق و مضيت ألملم حطام قلبي المتفطر و عدت لأبحث عن شمس ذاك الصباح لأجد غيمة خريفية قاتمة قد ابتلعتها،و لم تبقِ إلا نزرا يسيرا من بقاياها.
بعد مضي عامين على رحيله، لا زلت أذكر تماما تلك الرسالة التي أرسلها بعد أسبوع من سفره،و التي حوت تطمينات و بشريات بحصوله على عمل في أحد الأندية براتب جيد أرفق جزءا منه مع رسالته.
لكن ... بعد مضي عامين على رحيله، لمَ لا زلت أفكر فيه؟ لمَ يراودني طيفه حيثما حللت؟ لمَ أتذكر رسالته و ماله؟ لمَ أشتاق إليه؟ أليس هو من غادرني حين كنت في أشد الحاجة إليه ليعينني بعد موت والده؟ أليس هو من أغرى شقيقته فلحقت به و خلفتني وراءها وحيدة ، كسيرة الجناح. بلى .. بلى هو من فعل ذلك فلمَ لا زلت أحبه و أتذكره؟ أتراني هُبلت أم جننت؟ لا ،أنا لم أجن. إنه قطعة من فؤادي فكيف أكرهه ؟ كيف أنسى صوته ، نظرته ،أو حتى رائحته. لا ،لا يمكن أن يحدث هذا فهو ابني.
تتقارع الأفكار في رأسي و تتصادم ،و يدور فكري في رحى أسئلة متزاحمة تبحث عن إجابات لتطفئ لهيب شوقي الحائر.
نظرت إلى ساعة الحائط قبالتي فإذا هي تشير إلى قرابة الخامسة صباحا، فقررت مغادرة فراشي تاركة ذاك الهذيان يهذي وحيدا ؛لأصنع كوبا من الحليب الساخن أستلذ بشربه رفقة نسمات الخريف الباردة في الشرفة حيث البحر ،و الشمس القادمة من أعماقه.
كان البحر ساجيا خاشعا،يترنم بتراتيل صباحية هادئة تبعث في روحي أملا و رغبة صادقة في الحياة.
شمس من خلف الأفق أطلت منتشية كأنما هي حورية تتلألأ سابحة من أعماق أعماق البحر،و تتناثر على جبينها قطرات الماء كأمثال اللؤلؤ المكنون. كانت لوحة صباحية عذبة طربت لها جوارحي فرحا و حبورا ،فوددت لو أقضي الدهر غارقة في تلك المتعة الروحية المحلقة ،لكن هيهات. صوت طرقات خجلى على باب منزلي انتزعني و ردني إلى واقعي ،فتوجهت متبرمة لأعرف من الطارق في مثل هذه الساعة المبكرة. فتحت الباب فوجدته متكئا بجسد واهن خبت نضارة شبابه كأنما هو ليس ابني الذي رحل منذ عامين فقط . حاولت إسناده متلهفة ،و أدخلته غرفتي فاستلقى بخَور بائن ،و غرق في نوم عميق.
ساعات مرت و أنا أجلس إلى جواره أتأمل قسماته ،و أتابع صدره الذي يعلو و يهبط بهدوء. كانت ملابسه السوداء القاتمة،و قلادة عنقه ذات الجمجمة المرعبة هي أشد ما بعث في نفسي ذاك الشعور بالخوف الممزوج بتقزز بشع عفته ، فأشغلت نفسي بقراءة بضع آيات من القرآن بصوت هادئ مسموع،و ما إن قرأت قوله تعالى "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ " حتى سمعت لسعد نحيبا مكبوتا سرعان ما تحول إلى صراخ مصحوب ببكاء مرير ،فانتفضت مسرعة ،و احتضنت رأسه حتى شعرت بدموعه الحرى تبلل صدري ،و أخذت أهدئ من روعه"اهدأ بني، ما الأمر؟ لمَ تبكِ يا حبيبي؟"
-"دعيني أمي. وغد أنا ، حقير ،تافه ،لا أستحق صدرك و لا حنوّك. اقتليني بيديك أماه. أريحيني من هذا العذاب و الوجل الذي يغزو قلبي فيمزقه شر ممزق".
-"و علامَ كل هذا الحزن؟ لقد عفوت عن هجرك لي فلا تقلق" ،و رفعت رأسه بيدي ليقابل وجهه وجهي فهالتني نظرات الخوف في عينيه الذابلتين، فاستأنفت قائلة:"ما الأمر؟ ما الذي يخيفك بني؟ أرح قلبي أرجوك".
-" سيقتلونني أماه ،سيقتلونني. لا بل سيتفننون في تعذيبي و قتلي و شرب دمي أيضا".
ارتعش جسدي و انتفض بقوة فسألته بلهفة :"من هم ؟ و لمَ؟".
-" عبدة الشيطان أمي، إنهم عبدة الشيطان. لقد أمضيت عامين رفقتهم و كنت منهم. أغروني بكل شيء بالمال و المسكن و العيش الرغيد. أقنعوني بمعتقدهم فتبعتهم و كنت من الغاوين. أفهموني أن الخطيئة محض بدعة لا وجود لها فكل شيء مباح، و أن الموت ما هو إلا بداية حياة الهناء و السعادة فلا داعي للخوف منه. كانت كل فتيات الجماعة حِلا لي أتنقل بينهن كيفما شئت و رغبت ، حتى شبابها كانوا حِلا لي و كنت حِلا لهم. قضيت شهوتي من كل شيء. تمرغت في أوحال الرذيلة حتى تشربتها روحي حد الثمالة".
غرق في بكائه بين أحضاني ،و كان الصمت المطبق يلفنا. تاهت كلماتي ، و انعقد لساني و أصاب شلل كل جوارحي و تفكيري حتى التمعت صورتها في ذهني، فسألت بصوت ملهوف متهدج :"شقيقتك .. أحلام .. أين أحلام يا سعد ؟ ألم تلتحق بك ؟" و هنا ارتفع صوت بكائه و شهيقه ،و قال بحنق :"قتلوها. قتلوا أحلام يا أمي".
و ما إن سمعت كلماته حتى شهقت بصوت مرتفع كمن سكب عليه ماء زمهرير في ليلة شتاء قارصة البرودة . تجمد الدمع في محجريّ ،و انتابتني رعشة سرت في كل جسدي بينما تابع هو مكملا:"كانت في قمة سعادتها حينها. كان الجميع يحسدها ". نظر إلي قليلا و الدموع تغطي مآقيه فعلم ما يدور في فلك عقلي من أسئلة حائرة تبحث عن إجابات تلامس الواقع و تماشي المنطق ،فأكمل:" كان ذلك يوم القداس الأسود عليه اللعنة. يومها انتدبوا فتاة ابنة زنى لتكون مركز الاحتفال وتلتقي إلهنا أسفل الأرض ،و قبل بدء المراسم خرجت أحلام ثائرة ثملة من بين الجموع و اختارت نفسها قربانا لتضاجع الشيطان الأعظم في مخدعه أسفل الأرض فوافق الكاهن شريطة أن يختارها الشيطان و يوافق عليها ثم بدأت المراسم. لم أكن حينها قد شربت أو ثملت فانتفضت مسرعا لأوقفها ،فأمسك بي سامر و قال:"توقف يا سعد. أتراك تتمرد على قداسنا؟ يبدو أنهم لم يحسنوا الاختيار حين قبلوا انضمامك للجماعة. أعلم أنها شقيقتك لكن لا تخف عليها. فبعد دفنها ستنزل إلى مخدع إلهنا الشيطان الأعظم. أي شرف أعظم من هذا؟!! يجب أن تحسدها لا أن تمنعها". حينها فقط أيقنت أنني تورطت في ملة قذرة ستلوث ما بقي من حياتي و سترغمني على الخوض في غمارها حتى أغرق في أوحالها و أموت بين براثنها فأعلنت في نفسي التمرد. أمضيت يومي ذاك أشاهد أحلام يتعاقب عليها شباب الجماعة و هي في قمة نشوتها و سرورها حتى أعلن الكاهن :" اختارها ، لقد اختارها" أجل أماه .. زعم الكاهن أن الشيطان الأعظم قد وافق على أحلام لتنزل إلى مخدعه فيضاجعها و يستمتع بها . سيقت إلى المذبح الأسود كما النعاج ،و ذبحت هناك ثم دفنت. كان ذلك بعد عدة شهور فقط من انضمامنا للجماعة فلم أكن قد تشبعت فكرهم تماما . شعرت بالمكائد تحاك من حولي فلم أحاول الهرب لأثبت الولاء و حسن الطاعة. كنت خائفا يا أمي فقلوبهم من حجر ، يتفننون في تعذيب ضحيتهم و قتلها. فعلت كل ما أمروني به . شربت الدماء معهم ، استخرجت الجثث و مثلت بها كما يفعلون ، رقصت مع الموتي و جامعتهم حتى نلت ثقة الجماعة رغم أنني كنت أحمل أوزارا في قلبي لو وضعت على الجبال لجعلتها دكا .تساءلت دوما هل يغفر لي ربي كل هذه الأوزار و الخطايا ، أيقنت أنني يجب ان أتخلص من هذه البيئة الموبوءة لأبدأ حياتي من جديد رغم الخوف الذي لا زال يعتمل في صدري من أن أخطف فأكون أسيرا تحت رحمتهم يوما".
ساد الصمت مريرا حتى انجلت عني هالة الصدمة التي حفتني فاحتضنته بقوة و بكيت طويلا على شباب ضائع تلقفته أيدي الشيطان ، و اتخذته عبدا و نصبت نفسها إلها معبودا. كان سعد لا يزال يبكي بين أحضاني ،فقلت:"ابكِ يا بني ،ابكِ لتغسل درن قلبك و خطيئته ،ابكِ لتناجي ربك بذلة عسى أن يغفر خطيئتك و ظلمك لنفسك،و تذكر دوما قوله الحق:" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".
غادرت غرفتي بهدوء ،و تركته لتسكن نفسه ، و تستكين روحه ليبدأ معها رحلة جديدة في دنيا الطهارة و النقاء بعيدا عن أوحال ذاك العالم الأسود الخفي.
مررت بشرفتي لأتنشق شيئا من نسمات المساء المعبقة برائحة البحر ،فوجدت حورية الصباح قد عصبت عصابة الرحيل تتنقل هاربة بين الغيوم الخريفية القاتمة التي تسعى واحدة تلو الأخرى لابتلاعها حتى عثرت على أفقها التائه ،و استسلمت بين أحضانه تنخفض بوقار إيذانا بانتهاء يوم خريفي آخر

[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط]


ارجو ان القصة نالت اعجابكم

ابو عمر
11-18-2010, 07:53 PM
[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط]



سلمت يمينك

والله يعطيك العافية


[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط]

حاتمي
11-18-2010, 11:30 PM
القصة جيدة الكلمات اسلوبهايعلوه شيئ من الرتابة الادبية المتقعرة ..والقصة منسوجة كموعظة جيدة تصور عواقب الوقوع في الرذائل ...واصدقاء السوء وبالامكان صبها على واقع حي معاش ضمن بيئتنا العربية الاسلامية ...هنا قد ينجح الناقل في صياغة مقطوعة أدبية جميلة ...ذات ابعاد خيالية عاطفية جميلة تقود الى الالتزام بالشرع المطهر ....وعلى كل حال سلمت يد الناقل ....وننتظر المزيد من الابداع الذاتي حفظك الله اخي ابن عقيل....اخوكم /حاتمي

ابن عقيل
11-19-2010, 01:13 AM
يعطيكم العافيه